
تـقـديـم
الكتـاب : بقلم : محمّد البـدوي ( كلّية
الآداب ـ سوسة )
طوبى للذين
سيقرؤون هذا الكتاب...
هل في الثقافة العربية والإسلامية كتاب نال من اهتمام الباحثين وعناية
الدارسين ما ناله القرآن على امتداد العصور السابقة، ولعلّ الاهتمام لن
ينقص أو يخفت وهو نصّ يقبل عديد التفاسير وينفتح على كثير من القراءات،
لأنّ المداخل إليه متنوّعة متعدّدة أشبعه القدامى شرحا وتفسيرا من
النواحي اللغوية والبلاغية والتشريعية وغيرها من المشاغل الفكرية
والاجتماعية للمجتمع الإسلامي، واليوم صار الاهتمام يتناول جوانب أخرى
حديثة، فتحدّث البعض عن الفهم العصري للقرآن، وتكلّم آخرون عن الإعجاز
العلمي وبحث رجال السياسة عمّا يسند اتجاهاتهم ويدعم اختياراتهم وأقبل
أهل الذكر كلّ بما ناله من المعرفة لمحاولة ربط الصلة بين هذا النصّ
المقدّس وبين الذين ورثوه أبا عن جدّ، حفاظا على هذا الوجود الثقافي
والحضاري إلى حدّ أنّ البعض ذهب إلى أنّ المسلمين اكتفوا بترتيل القرآن
دون قراءته.
وفي هذا الإطار من الدراسات المعاصرة يأتي كتاب الدكتور حسن الشعباني "
سنن خلق الإنسان تحت أضواء العلم ونور القرآن " ليقدّم إضافة في منتهى
الأهميّة لم يسبقه إليها أحد في عمقها وانسجامها وتناسقها وقوّة
إقناعها وخطورة ما توصّلت إليه من تأويلات تجعل القارئ في حالة ذهول
أحيانا لأهمّية ما توصّل إليه الباحث وطرافته وقوّة إقناعه.
إنّ الذي حمل الأستاذ حسن الشعباني على تحقيق البحث في التفسير هو ما
كان يعتمل في نفسه منذ عشرين سنة حين كان باحثا جامعيا في بدايات
الطريق يعدّ البحوث والرسائل الجامعية في اختصاصه العلمي وكان يقرأ
الآيات المتصلة بخلق الإنسان فتشدّه حكمتها وبلاغتها فيفزع إلى
التفاسير يبحث فيها عمّا يشفي الغليل فإذا التفاسير عفا عليها الزمن
ولم تعد تـتّـفق وما وصل إليه العلم من نتائج مقنعة، فكان لا بدّ أن
يعقد العزم على أن يتعمّـق في العلم ويدقـق في مجال الاختصاص ثمّ يقدّم
لدينه وأمّـته ما من شأنه أن يجعل القارئ يفخر بهذا البحث ويعتزّ به
وهو مطمئنّ تمام الاطمئنان إلى قيمته العلميّة، فنتائج هذا البحث طبخت
على نار هادئة ولم تحرّكه غير الدوافع العلميّة لأنّ صاحبه سخّر حياته
للعلم بحثا وتدريسا وكتابة فكان علَما متعمّـقا في بيولوجيا الإنسان
وعلم الإناسة ( الأنتروبولوجيا ) تشهد على كفاءته بحوثه المنشورة في
أرقى المجلات العلميّة العالميّـة المختصّـة.
إنّ الآيات القرآنية المتصلة بالخلق تعتبر من أكثر ما يثير رغبة
الإنسان وشوقه إلى فكّ أسرار الكون والحياة فيه. وقد شاع في بعض
السنوات أنّ التفسير الديني لأصل الحياة والإنسان مختلف مع ما توصّل
إليه العلم، ومن شأن هذا الأمر أن يخلق حيرة فكرية وعقائدية توهم بوجود
قطيعة بين الدين والعلم. ولم يتردّد عدد من المثقفين في مهاجمة
النظريات العلمية المتصلة بتطوّر الكائنات ونعتها بالهدامة والمتآمرة
على الدّين وربطوا بينها وبين بعض الإيديولوجيات الحديثة المتصادمة مع
الدّين.
وكتاب الدكتور حسن الشعباني بما قدّمه من تحليل علمي قائم على قراءة
الآيات قراءة موضوعيّـة وما توصّل إليه من فرضيات عن تاريخ أصل الإنسان
وتاريخ البشر يساهم في إزالة هذه الحيرة ويبعث في النفس راحة وقناعة
بأنّ العلم إذا ما تعاملنا معه بدقة وموضوعيّة لا يمكن أن يتناقض
والقرآن الكريم.
سيدرك قارئ هذا الكتاب أنّ منطلقات المؤلف على امتداد الفصول والفقرات
إيمانيّـة بل يصل أحيانا إلى التعبير عن منتهى الإعجاب والانبهار بما
في الآيات القرآنية من أسرار ودقة ذهل عنها السابقون، وبدل أن يصيح "
وجدتها...وجدتها " نجده يكبّر إجلالا وتعظيما.
وهذا الإيمان لم يكن عائـقا ولا مانعا من البحث ولا دافعا إلى التسليم
الساذج بما في الآيات واعتبار ذلك من الأسرار الربّانية، بل كان القادح
والدافع إلى السير في الأرض لنرى كيف بدأ الله الخلق. إنّه وإن شرح
آيات بآيات فإنّه قدّم لنا من المعطيات العلمية الحديثة ما نحتاج معه
إلى أهل الاختصاص لندرك قيمة ما قدّمه الأستاذ.
وبالرغم من كلّ هذا الجهد والشجاعة في البحث والريادة في الوصول إلى
هذه النتائج فإن الدكتور حسن الشعباني امتاز بالتواضع العلمي إلى جانب
دماثة الأخلاق التي يعرفها الأصدقاء والزملاء وكلّ الذين عرفوه عن قرب
فلا ادّعاء و لا غرور بل إقرار بأنّ المعاني الحقيقية للآيات القرآنية
لا يعلمها إلاّ الله ، و بأن ما انبثق من نتائج بحوثه في ميدان
الأنتروبولوجيا لا يتعدّى إطار الفرضيّات العلميّة.
ومن فوائد هذا الكتاب أنّ صاحبه صاغه في لغة عربية سلسة رغم أزمة
المصطلح العلمي وهو الذي تكوّن علميا بغير اللّسان العربي ليعطي شاهدا
للجميع على أنّ العربية لغة علم، وليجعل كتابه قريبا من قرّاء العربية
فهو موجّه إليهم بالدّرجة الأولى ليقبل عليه القارئ العادي والباحث
المتخصّص على حدّ سواء وكلّ يستفيد من الكتاب قدر ما يتيحه له زاده
العلمي والثقافي. ولم يحاول الدكتور حسن الشعباني أن يتفنّن في
الصّـياغة الأدبيّـة لأنّ الهاجس العلمي كان المحرّك، ولم يشأ أن يملأ
الصفحات بما جاء في التفاسير السّابقة مع تقديره الكبير لما قدّموه ،
حتّى لا يضيع اهتمام القارئ ويتركّز على النظر في المعطيات العلميّـة
الجديدة.
ولم يتخلص الكاتب من صفة الأستاذ فجاءت عبارات كثيرة أقرب إلى الحديث
الشفوي منها إلى بلاغة المكتوب فكثرت الجمل الاعتراضيّـة التفسيريّـة،
فهو يشير ويفسّر ويضرب الأمثال فنحسّ ونحن نقرأ وكأننا نستمع إلى
المؤلف وهو في مدرج الكلية. وهذه اللغة المعتمدة تجعل الكتاب قريبا من
قارئه ولكنّها لا تنسينا تعمّق الدكتور حسن الشعباني في أسرار العربية
وبحثه في المعاجم والقواميس ووصوله إلى ضبط فوارق جديدة لم توجد في أيّ
معجم سابق فأعطى لبعض المصطلحات روحا حديثة تكشف عبقريّـة العربيّـة،
ويحقّ للّغويـين أن يأخذوها مستقبلا بعين الاعتبار ما دام قد قرّرها
أهل الاختصاص في العلم كالفرق بين الإنسان والبشر والمعاني الجديدة
لعدد من المصطلحات العربية أو المعرّبة في البيولوجيا وغيرها من فروع
العلم والمعرفة.
إنّ كتاب " سنن خلق الإنسان تحت أضواء العلم ونور القرآن " للدكتور حسن
الشعباني فتح كبير في مجال البحث العلمي والحضاري، ومدعاة للفخر
والاعتزاز، وقراءته ممتعة ومشوّقة، ولا نشكّ في أنّ صداه سيكون كبيرا
وسيدفع الكثيرين إلى مزيد البحث والتمعن في الآيات وفي ما حولنا لأنّ
الكون الطبيعي والبشري ما زال يحتفظ بالكثير من الأسرار، وقد حفظنا منذ
صبانا أنّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
محمّد البـدوي ـ
المنستير, جانفي
2006 ـ